الشوكاني

107

فتح القدير

أنها كلمة الشهادة " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " وذلك إذا قعد المؤمن في قبره قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فذلك قوله تعالى ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ) ، وقيل معنى تثبيت الله لهم هو أن يدوموا على القول الثابت ، ومنه قول عبد الله بن رواحة : يثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا ومعنى ( في الحياة الدنيا ) أنهم يستمرون على القول الثابت في الحياة الدنيا ، قال جماعة : المراد بالحياة الدنيا في هذه الآية القبر لأن الموتى في الدنيا حتى يبعثوا ، ومعنى ( وفى الآخرة ) وقت الحساب . وقيل المراد بالحياة الدنيا : وقت المسألة في القبر ، وفى الآخرة : وقت المسألة يوم القيامة : والمراد أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ولا تردد ولا جهل ، كما يقول من لم يوفق : لا أدرى ، فيقال له لا دريت ولا تليت ( ويضل الله الظالمين ) أي يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب ، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا . قيل والمراد بالظالمين هنا الكفر ، وقيل كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة فإنه لا يثبت في مواقف الفتن ولا يهتدى إلى الحق ، ثم ذكر سبحانه أنه يفعل ما يشاء من التثبيت والخذلان لا راد لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل ، قال الفراء : أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما يفعل ، والإظهار في محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة كما قيل والله أعلم . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ) قال : شهادة أن لا إله إلا الله ( كشجرة طيبة ) وهو المؤمن ( أصلها ثابت ) يقول : لا إله إلا الله ثابت في قلب المؤمن ( وفرعها في السماء ) يقول : يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء ( ومثل كلمة خبيثة ) وهى الشرك ( كشجرة خبيثة ) يعنى الكافر ( اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) يقول : الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان ، ولا يقبل الله مع الشرك عملا . وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم . وأخرج الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس قال " أتى رسول الله صلى الله وآله وسلم بقناع من بسر فقال ( مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ) حتى بلغ ( تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ) قال : هي النخلة ( ومثل كلمة خبيثة ) حتى بلغ ( ما لها من قرار ) قال : هي الحنظلة " . وروى موقوفا على أنس . قال الترمذي : الموقوف أصح . وأخرج أحمد وابن مردويه . قال السيوطي بسند جيد عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( كشجرة طيبة ) : قال هي التي لا ينقص ورقها قال : هي النخلة . وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما لأصحابه " إن شجرة من الشجر لا يطرح ورقها مثل المؤمن ، قال : فوقع الناس في شجرة البوادي ، ووقع في قلبي أنها النخلة ، فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هي النخلة " وفى لفظ للبخاري قال : " أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا تؤتى أكلها كل حين ، فذكر نحوه " . وفى لفظ لابن جرير وابن مردويه من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " هل تدرون ما الشجرة الطيبة ؟ ، ثم قال : هي النخلة " وروى نحو هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ) قال : كل ساعة بالليل والنهار والشتاء والصيف ، وذلك مثل المؤمن يطيع ربه بالليل والنهار والشتاء والصيف . وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال : يكون أخضر ثم يكون أصفر . وأخرج عنه أيضا في قوله ( كل حين ) قال : جذاذ النخل . وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن